RSS

تكريم الانسان في الاسلام

29 أكتوبر

الانسان في الاسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المستحق لغاية المحامد نحمده على عظيم احسانه واكرامه لنا بشامل النعم التي تعمنا والتي أعظمها هي شرف الرسالة والتكليف والصلاة والسلام على أشرف الخلق عبدالله ورسوله المصطفى الأمين محمد بن عبدالله الهادي البشير النذير وعلى آل بيته الطيبين وعلى الصحب الميامين ومن اهتدى بهديهم الى يوم الدين أما بعد:

تلك كلمات يسيرة لبيان مكانة الانسان في الاسلام والنصرانية، وقد قسمتها الى عدة مقالات، المقالة الأولى بعنوان (الانسان في الاسلام) والغرض من هذه المقالات إلقاء الضوء عن تكريم الانسان بين الاسلام والمسيحية وسنبحر مع ايآت القرآن الحكيم مستنيرين بأقوال أهل العلم الربانيين كما أننا سناتي بنصوص كتاب النصارى (الكتاب المقدس) مستنيرين أيضاً بأقوال علمائهم حول كرامة الانسان وكيف تحدث القران العظيم وكتاب النصارى عن هذا المخلوق (الانسان) اريد من هذا البحث ان ابين لكل نصراني او مسيحي وايضا يهودي كيف تكلم كتابه المسمى مقدس عنه وهل يقبل هذه الاقوال عنه؟  و والله اني لا اريد الا ان اخرج النصارى الضالين من عبادة العباد الى عبادة رب العباد وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه اجمعين.

(هذه اول المقالات في مقارنة حول الانسان بين الاديان السماوية) وان شاء الله ستكون هناك مقالة اخرى عن الانسان في الكتاب المقدس والنصرانية واليهودية فانتظرونا.

 التكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

شائع بيننا ان  الله سبحانه وتعالى كرم الانسان، فهل نعرف ما معنى الكرامة؟وهل نعرف  كيف كرم الله الانسان؟ وما هي مظاهر هذا التكريم؟

الكرم لغة هو جماع كل الصفات الحميدة، والكريم هو من اتصف بهذه الصفات وتلك المحامد اتصافا يجعلها ظاهرة فيه ظهورا جليا.التكريم جعل الشيء المكرم كريما في ذاته وليس منعما عليه انعاما عاما بصفة من الصفات,او بمجموع من الصفات انما جعله في حد ذاته كريما, فكل شيء شُرف في بابه فقد كُرم والتكريم جعل الشيء كريما فعلا.(كتاب مظاهر تكريم الانسان في القران ص 10-11)

ان كلمة كرامة ايضا هي مصدر كرم وتاتي بمعنى العزة, واحترام المرء ذاته وهو شعور بالشرف والقيمة الشخصية مما يجعل الانسان يتأثر ويتألم اذا ما انتقص قدره.

يقول ابن عثيمين رحمه الله: أما الكرامات، فهي جمع كرامة، والكرامة: أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين (مجموعة فتاوي ابن عثيمين 626-8)

كلمة كرامة تاتي من التكريم والتكريم ياتي من الله سبحانه وتعالى, فلقد كرمنا الله عز وجل بان فضلنا على كثير من المخلوقات التي خلقها سبحانه وتعالى

قال سبحانه وتعالى:

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ  وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(الإسراء 70)

يستخلص من هذه الاية الكريمة اشياء كرم الله بها بني آدم

ان في قوله تعالى(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) الله سبحانه وتعالى يخبرنا بانه خاطب الانسانية كافة بقوله بني ادم ولم يقل المسلمون او المؤمنون انما كرم كل بني ادم الذين تناسلو من ادم عليه السلام ذكورا كانو ام اناثا, لكن الله سبحانه وتعالى اعد للمؤمنون او المسلمون جنات الفردوس وهذا من تكريم الله على المسلمين. (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) بيان من الله سبحانه وتعالى لتكريم وهذا التكريم هو رعاية الله للانسان في البر ( على الدواب وغيرها) وعلى البحر (في السفن وغيرها) وايضا قوله تعالى: (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) ايضا نو اخر من انواع التكريم وهو ان الله يرزق بني ادم من كل المشارب والملابس والطعام وغيرها من ما يشابه ذلك.وقوله تعالى: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) دليل اخر وتكريم اخر من الله لبني ادم وهذا التكريم هو تفضيل الله على بني ادم عامة (ليس فقط على المؤمنين) فضلهم بأن خلق لهم يد ليأكلو بها وخلق لهم عقل ليفكرو به وخلق لهم ارجل ليمشوا واشياء كثيرة فضلنا الله بها على غيرنا من الخلق الذي خلق.

قال الامام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الاية: يقول تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِـي آدَمَ } اي بتسلـيطنا بني آدم علـى غيرهم من الـخـلق، وتسخير سائر الـخـلق لهم { وَحَملْناهُمْ فِـي البَرّ } علـى ظهور الدوابّ والـمراكب { و } فـي { البَحْرِ } فـي الفلك التـي سخرناها لهم { وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّبـاتِ } يقول: من طيبـات الـمطاعم والـمشارب، وهي حلالها ولذيذاتها { وَفَضَّلْناهم عَلـى كَثِـيرٍ مِـمَّنْ خَـلَقْنا تَفْضِيلاً } ذكر لنا أن ذلك تـمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها ورفعها بها إلـى أفواههم، وذلك غير متـيسر لغيرهم من الـخـلق.(تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/الطبري)

يقول الامام ابن كثير في تفسير هذه الاية:

ويخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها

كقوله تعالى ” لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ” أن يمشي قائما منتصبا على رجليه ويأكل

بيديه وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه وجعل له سمعا وبصرا وفؤادا يفقه

بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية

والدنيوية ” وحملناهم في البر ” أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال وفي البحر أيضا

على السفن الكبار والصغار ” ورزقناهم من الطيبات ” أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من

سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة والمناظر الحسنة والملابس الرفيعة من سائر

الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من

أقطار الأقاليم والنواحي ” وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ” أي من سائر الحيوانات

وأصناف المخلوقات وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس

الملائكة .

وقال ايضا الشوكاني: “أجمل سبحانه هذا الكثير ولم يبين أنواعه، فأفاد ذلك أن بني آدم فضلهم سبحانه على كثير من مخلوقاته… والتأكيد بقوله {تَفْضِيلاً} يدل على عظم هذا التفضيل وأنه بمكان مكين، فعلى بني آدم أن يتلقوه بالشكر ويحذروا من كفرانه” (فتح القدير)

 

عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” إن الملائكة قالوا ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم وجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويتزوجون النساء

ويركبون الدواب ينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئا فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة

فقال الله عز وجل ” لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان.(حديث)

ان الكرامة مبدأ كوني بغض النظر عن ديانة الاشخاص او انتماء هؤلاء الاشخاص واوصت كل الديانات السماوية باحترام كرامة البشر باعتبارهم افضل خلق الله عز وجل على هذا الكون, لكن اكثر ديانة كرمت الانسان هي الاسلام وسناتي الى هذا الموضوع وكيف كرم الاسلام الانسان.الكرامة متعددة المعاني ولن استطيع حصرها في معنى واحد او جعلها تدور حول معنى الارض والعرض والدين,كرامة الانسان تكمن في عيشه الكريم وحقه في العيش.والكرامة هي تلبية الحاجيات الضرورية للانسان ومنها:الحاجيات العضوية كالتغذية والشرب والصحة والحاجيات الاجتماعية كالسكن والشغل والتعليم.

ان من ابرز ما اكرمنا الله به هو دين الاسلام العظيم الذي لولاه لما كنا مكرمين

وروي عن ابي هريرة ان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قال: (الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ) (سنن ابن ماجه).

 مظاهر التكريم

الله كرم ادم بان خلقه بيده فقال تعالى في محكم تنزيله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (سورة ص 75) ان الله خلق الانسان بيده فهذا تنويه بتكريم الله هذا المخلوق.

مظهر ثاني من هذه المظاهر هو تسوية فطرة الانسان فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ  (الانفطار 6-7) ان معنى هذه التسوية يتوضح معناها باية اخرى من القران وهي لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التين 4) وهذه التسوية ايضا من مظاهر تكريم الله عز وجل لبني آدم.

بعد كل هذا نفخ الله عز وجل في هذا المخلوق من روحه قال تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (سورة ص 72 و سورة الحجر 29) اذا في هذا المخلوق يوجد شيء من روح الله عز وجل بها سيصلح وسيحتمل مشقة وعناء المهمة التي اُستخلِف لاجلها وبهذا النفخ يصلح الانسان ويحيا حياة كريمة هنيئة ويشرف ويسمو.اذا هذا ايضا من مظاهر تكريم الله على الانسان.

من اهم مظاهر تكريم الله سبحانه وتعالى على الانسان هو استخلافه في الارض قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة 30)

فالإنسان بهذا التكريم جعله الله خليفة فى الأرض ، وأسجد له ملائكته ، وجعله سيدًا فى هذا الكون ، وسخر له ما فى السموات وما فى الأرض. فالإنسان بذلك له مكانته ومكانه المفضل بين الخلق جميعًا. وقد منح الله هذه الكرامة لكل الناس بلا استثناء لتكون سياجًا من الحصانة والحماية لكل فرد من أفراد الإنسان ، لا فرق بين غنى وفقير وحاكم ومحكوم. فالجميع أمام الله وأمام القانون وفى الحقوق العامة سواء.

اكرم الله ادم اذا امر الله الملائكة بالسجود لهذا المخلوق قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(البقرة 34)

 

الله سبحانه وتعالى امر الملائكة المقربون بان يسجدوا لادم وهو اول البشر وهذا تكريم آخر من الله عز وجل لهذا المخلوق وهو الانسان. تخيل معي كيف ان الله امر الملائكة الذين هم اقرب المخلوقات الى الله عز وجل بان يسجدوا للانسان.الله خلق الانسان وانعم عليه بنعم كثيرة منها العقل,والنطق وغيرهما من النعم ومن ثم امر الملائكة الابرار بان يسجدوا له أليس هذا تكريم وتشريف كبيرين من الله عز وجل على هذا المخلوق وجنسه؟.

 

يقول الله سبحانه وتعالى ايضا:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (الاعراف 11).

 

وايضا مِن مظاهر كرم الله على الانسان انه ارسل له رسله لكي يدلوه على الطريق القويم الذي يهديه الى مرضاة الله والجنة ويجنبه معصية الرب وعذابه, وايضا من كرمه سبحانه وتعالى على الانسان اذ وهبه العقل الذي به يفرق بين الصواب والخطأ والصدق والكذب والشر والخير وغيرهما.

ومن اهم المظاهر الاخرى التي انعم الله عليه بها بان الله تعالى خلق على الإنسان أن خلقه وصوره في أحسن صورة، فقال سبحانه: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (التين 4)

ثم ميزه عن سائر الخلق بالعقل والفهم والإفصاح عن نفسه بالكلام، ومنحه من القوى الباطنة والظاهرة ما يعينه على مواجهة الحياة، ثم أرسل إليه الرسل لإرشاده إلى ما فيه خيره وصلاح نفسه.

ومن تكريمه تعالى ايضا بان جعل كل شيء في السماء والارض مسخر للانسان قال تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (سورة لقمان 20)

وقال تعالى ايضا: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(سورة الجاثية 13) اذا الله سبحانه وتعالى سخر لنا كل شيء على الارض والسموات كالشمس والقمر والطيور قال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (سورة النحل 79) وكل شيء في السماء وفي الارض كالبهائم الا ما حرم الله منها وكالسيارات وكالفلك قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (الحج 65)

ايضا اكرمنا الله بأن أنعم علينا بالسمع والابصار والافئدة قال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (سورة النحل 78)

مظهر اخر من مظاهر تكريم الله على الانسان أن الله تعالى حرر هذا الانسان ، أي البشرية من كل عبودية لأي مخلوق مهما كان فضله وعظمته ، وفي ذلك قمة التحرر ، حيث نقل من عبودية البشر والخضوع لهم إلى عبودية الله تعالى .

فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في عصر ساد فيه الشرك العالم كله وضربت الوثنية أطنابها بين الناس ، سواء كانت بين العرب أم غيرهم ، فكان الناس يعبدون ويخضعون لأنواع من المخلوقات من الأصنام والبشر ، حتى بلغ الشرك ببعض منتسبي الأديان السماوية ويعتقدون أن سيدنا عيسى هو ثالث ثلاثة ( الله ، مريم ، عيسى ) وإن كانون يقولون في عبارة غير مفهومة وهي ( ثلاثة في واحد ، وواحد في ثلاثة ) ، فأنقذ الله تعالى البشرية من هذا الخضوع والعبودية لغير الله تعالى ، ودعا إلى توحيد الله في ربوبيته وألهيته ، واستحقاقه للعبودية والطاعة المطلقة له وحده دون سواه ، فكانت الرسالة أنه لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وهذه خلاصة رسالة الإسلام حيث عبر عنها ربعي بن عامر عندما خاطب عظماء الفرس فقال : ( إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الأديان ) (تأريخ البداية والنهاية ( 7/39).

وهذا هو الجديد الذي الذي أتى به الاسلام في العصر الذي سادت فيه الوثنية والشرك ، ولهذا التوحيد آثار عظيمة على نفسية الموحد ، وسلوكياته وتصرفاته ، حيث لا يسجد ولا يركع ، ولا يخضع إلاّ لله تعالى وحده, لذلك يعتبر الاسلام اكبر نعمة وافضل نعمة ممكن ان تعطى للانسان.

حينما اخطأ سيدنا آدم وزوجته عليهما السلام بأكلهم من الشجرة التي نهاهم الله عن اكلها من رحمة الله سبحانه وتعالى وكرمه عليهم بأن علمهم كيف يصلحون اخطائهم اذا اهانوا انفسهم بالخطأ, علمهم سبحانه كيف يمح السيئة بالحسنة قال تعالى: فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (سورة البقرة 37)  هي كلمات الاستغفار, وصار هذا الطبع في بني آدم من بعده وبلا شك فأن تعليم الله لآدم كلمات ليتوب عليه من كرم الله على الانسان ورحمته به.

 

 

نماذج من التكريم 

 

 

الله سبحانه وتعالى حرم على الانسان ان يلقي بنفسه الى التهلكة او ان يقتل نفسه او ان يفعل شيء يضر بنفسه قال تعالى:

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

(البقرة 195).

قوله الحق: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” تقتضي منا أن نعرف أن كلمة “تهلكة” على وزن تفعله ولا نظير لها في اللغة العربية إلا هذا اللفظ، لا يوجد على وزن تفعله في اللغة العربية سوى كلمة “تهلكة”، والتهلكة هي الهلاك، والهلاك هو خروج الشيء عن حال إصلاحه بحيث لا يدري أين يذهب، ومثال ذلك هلاك الإنسان يكون بخروج روحه. فالهلاك ضد الحياة، لذلك الله وهبنا العقل لكي نفرق بين هذا وذاك والعقل من النعم التي اكرم الله علينا بها ونشكر الله على هذه النعمة.

الله سبحانه وتعالى من كرمه علينا انه نفخ في ادم من روحه قال تعالى:  ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (السجدة 9)

قال الواحدي: “وأضاف روح آدم إليه إكراماً وتشريفاً ( الوسيط في تفسير القرآن المجيد (3/45)

 

الله عز وجل علم ادم الاسماء فقال تعالى:  وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ e قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ (البقرة 31-32)

قال ابن كثير عن هذه الاية الكريمة: هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم (تفسير القرآن العظيم (1/78)

 

ومن المظاهر الاخرى على هذا التكريم بان سخر الله للانسان جميع المخلوقات قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الجاثية 13)

قال ابن سعدي“وهذا شامل لأجرام السماوات والأرض ولما أودع الله فيهما من الشمس والقمر والكواكب والثوابت والسيارات وأنواع الحيوانات وأصناف الأشجار والثمرات وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو معد لمصالح بني آدم ومصالح ما هو من ضروراته. (تيسير الكريم الرحمن)

ان من تكريم الله للانسان بان حرم عليه لحم الخنزير والميتة والدم قال تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة البقرة 173) اذا ثبت علميا ان اكل لحم الخنزير والميتة يضر الانسان. وحكمة تحريم لحم الخنزير أنه يتناول القاذورات بإفراط فتنشأ في لحمه دودة مما يقتاته لا تهضمها معدته فإذا أصيب بها آكله قتلته (كتاب التحرير والتنوير جزء 2 صفحة 102)

واكد الله سبحانه وتعالى تحريمه فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة 3)

الجلالين يقولان في تفسير هذه الاية: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } أي أكلها { والدم } أي المسفوح كما في ( الأنعام ) [ 145 : 6 ] { وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } بأن ذبح على اسم غيره { والمنخنقة } الميتة خنقاً { والموقوذة } المقتولة ضرباً { والمتردية } الساقطة من علو إلى أسفل فماتت { والنطيحة } المقتولة بنطح أخرى لها { وَمَا أَكَلَ السبع } منه { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه { وَمَا ذُبِحَ عَلَى } اسم { النصب } جمع ( نصاب ) وهي الأصنام { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ } تطلبوا القَسْم والحكم { بالأزلام } جمع ( زلم ) بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام ( قدح ) بكسر القاف صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا { ذلكم فِسْقٌ } خروج عن الطاعة ، ونزل يوم عرفة عام حجة الوداع { اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوّته { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } بإكماله وقيل بدخول مكة آمنين { وَرَضِيتُ } أي اخترت { لَكُمُ الإسلام دِيناً فَمَنِ اضطر فِى مَخْمَصَةٍ } مجاعة إلى أكل شيء مما حرم عليه فأكله { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ } مائل { لإِثْمٍ } معصية { فَإِنَّ الله غَفُورٌ } له ما أكل { رَّحِيمٌ } به في إباحته له بخلاف المائل لإِثم أي المتلبس به كقاطع الطريق والباغي مثلاً فلا يحل له الأكل .

يقول ابن القيم رحمه الله:  أن حكمة الله سبحانه في خلقه فيه جرت حكمته في شرعه وأمره؛ حيث حرم الأغذية الخبيثة على عباده؛ لأنهم إذا اغتذوا بها صارت جزءا منهم فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم؛ إذ الغاذي شبيه بالمغتذي، بل يستحيل إلى جوهره، فلهذا كان نوع الإنسان أعدل أنواع الحيوان مزاجًا؛ لاعتدال غذائه، وكان الاغتذاء بالدم ولحوم السباع يورث المغتذى بها قوة شيطانية سبعية عادية على الناس، فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية وأشباهها إلا إذا عارضها مصلحة أرجح منا كحال الضرورة.
ولهذا لما أكلت النصارى لحوم الخنازير أورثها نوعا من الغلظة والقسوة.(كتاب التبيان في أقسام القرآن لابن القيم 1/236) .

يقول د.فهمي مصطفى محمود في بحثه عن (الاعجاز التشريعي في تحريم الخنزير): يبلغ عدد الأمراض التي تصيب الخنـزبر 450 مرضاً, منها 57 مرضاً طفيلياً تنتقل منه إلى الإنسان ، بعضها خطير بل وقاتل. وتشاركه بعض الحيوانات الأخرى في نقل بقية الأمراض، لكنه يبقى المخزن والمصدر الرئيسي لهذه الأمراض. هذا عدا عن الأمراض الكثيرة التي يسببها أكل لحمه كتليف الكبد، وتصلب الشرايين، وضعف الذاكرة، والعقم ، والتهاب المفاصل، والسرطانات المختلفة.(الاعجاز التشريعي في تحريم الخنزير للدكتور فهمي مصطفى محمود)


يقول الإمام الدميري رحمه الله: إن الخنزير شرس الطباع شديد الجماع شبق، تكتنف حياته الجنسية الفوضى ولا يخصص لنفسه أنثى معينة. ويقول ابن خلدون رحمه الله: أكلت الأعراب لحم الإبل فاكتسبوا الغلظة، وأكلالأتراك لحم الفرس فاكتسبوا الشراسة، وأكل الإفرنج لحم الخنزير فاكتسبوا الدياثة (عدم الغيرة على العرض). يقول الفخر الرازي رحمه الله: قال أهل العلم الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي فلابد أن يحصل له أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء ، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات فحرم أكله لئلا يتكيف بتلك الكيفية. لذلك اكل الخنزير قد يسبب مشاكل اجتماعية.

لذلك من رحمة الله وتكريمه لعباده بان حرم عليه اكل هذا المخلوق الذي يفسد حياة الانسان من كل جوانبها صحية كانت ام اجتماعية الخ..

وايضا اثبتت الدراسات العلمية ان اكل لحم الخنزير –يساعد على الاصابة بالسرطانات والتهابات المفاصل وتصلب الشرايين.ويحتوي لحمه ايضا على اكبر كمية من حمض البول بين سائر المخلوقات على الكرة الارضية وهو الحيوان الوحيد الذي ينتقل عن طريقه الانسان بيوض الدودة الشريطية المسلحة فيصاب بها الانسان ويتعرض لمشاكل كثيرة واضرار على جسم الانسان.وفي الحقيقة فان الخنزير ياكل اللحوم والقمامة والجذور التي في التراب. ولقد لاحظت ان الاديان السماوية جميعا متفقة على مسألة تحريم لحم الخنزير.

 

جاء الاسلام بتحريم السرقة وجعل قطع اليد حد السارق لانه لو لم يوضع هذا الحد فاذا بامكان اي شخص السرقة وقد تنشب حروب ومعارك بسبب ذلك, لهذا الاسلام قال بقطع يد السارق قال تعالى في محكم تنزيله:وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (المائدة 38)  وروى البخاري في صحيحه في باب اسماه (الحدود) رقم الحديث (6301) يقول صلى الله عليه وسلم: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده. (والبيضة هي درع الحديد التي تلبس في الحرب) فهذا نموذج من تكريم الاسلام على الانسان بحيث حرم السرقة لما فيها من اضرار مادية على الفرد والمجتمع.

 

 

 

 

فهذا هو القران وهذا هو الاسلام وتكريم الله سبحانه وتعالى للانسان (الدين الذي ارتضاه الله لعباده ولنفسه اذ قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آل عمران 19).

 

ماذا قال الله فيمن يبتغي غير الاسلام دين؟ قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(آل عمران 85) نسأل الله عز وجل ان يهدي كل من ضل عن سبيله.

 

 سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴿١٨١﴾ وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٨٢

وصلّى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

 

مع تحيات العبد الفقير الى الله:

Al-SENAT0R

 
أضف تعليق

Posted by في أكتوبر 29, 2011 بوصة كتاباتي العامة

 

الأوسمة: , , , ,

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: